الرجل الذي سجّل العالم..كيف حوّل آلان لوماكس الصوت إلى أرشيف للإنسانية؟
لم يبدأ آلان لوماكس مشروعه من برجٍ عالٍ، ولا من مؤسسةٍ ضخمة، بل بدأ من طريقٍ طويل، وجهاز تسجيل، وإيمانٍ عميق بأن صوت الإنسان البسيط يستحق أن يبقى.
كان يسمع في الأغنية الشعبية أكثر من لحن. كان يسمع الأرض التي خرجت منها، واليد التي عملت، والذاكرة التي خافت أن تُنسى. ولهذا تحوّل من جامعٍ للأغاني إلى صاحب مشروعٍ ثقافي عالمي، امتد أكثر من ستة عقود في توثيق الموسيقى الشعبية والفنون الشفاهية حول العالم.
ولد آلان لوماكس عام 1915 في تكساس، وبدأ رحلته مبكراً مع والده جون لوماكس، أحد رواد جمع الأغاني الشعبية الأمريكية. في عام 1933 بدأت خطواته الأولى في الجمع الميداني، لا بوصفها هوايةً عابرة، بل بوصفها عملاً يقترب من إنقاذ الذاكرة.
كان يحمل أجهزة التسجيل إلى الأماكن التي لا تصلها الأضواء: المزارع، السجون، القرى، حقول العمل، والبيئات الشعبية. هناك، كان يطلب من الناس أن يغنوا كما هم، بلغتهم، بوجعهم، بفرحهم، وبإيقاع حياتهم. لم يكن يبحث عن “الصوت الجميل” فقط، بل عن الصوت الصادق؛ الصوت الذي يحمل تاريخ جماعةٍ كاملة.
عمل لوماكس في أرشيف الأغنية الشعبية في مكتبة الكونغرس، وساهم مع والده ومساعدين آخرين في تسجيل آلاف المواد الميدانية. وقد شملت أعماله تسجيلات ومقابلات مع أسماء أصبحت لاحقاً علاماتٍ كبرى في الموسيقى الشعبية والبلوز والجاز، مثل وودي غاثري، وليد بيلي، وجيلي رول مورتون، ومادي ووترز.
لكن عظمة التجربة ليست في عدد التسجيلات وحده، بل في الفكرة التي كانت خلفها. كان لوماكس يؤمن بما سمّاه لاحقاً العدالة الثقافية؛ أي أن لكل جماعةٍ بشرية حقاً في أن تُسمع، وأن تُحفظ فنونها، وأن لا تبتلعها الثقافة المركزية أو السوق أو الإعلام. ولهذا أسس عام 1983 جمعية Association for Cultural Equity، لتكون امتداداً لفكرته في حفظ التنوع الثقافي ونشره.
لم يتوقف مشروعه عند التسجيل الصوتي. لقد كتب، وأنتج، وأخرج، واشتغل في الإذاعة والتلفزيون والأفلام الوثائقية. ومن أبرز أعماله الوثائقية فيلم The Land Where the Blues Began، كما أنجز سلسلة American Patchwork التي عُرضت على PBS في بداية التسعينيات.
ومع تقدمه في العمر، لم ينظر لوماكس إلى الأرشيف بوصفه صناديق مغلقة، بل بوصفه ذاكرةً يجب أن تصل إلى الناس. ومن هنا جاءت فكرته الكبرى: The Global Jukebox؛ حلمٌ رقمي يتيح للناس أن يستمعوا إلى موسيقى الشعوب وفنونها، وأن يروا التنوع الإنساني لا في الكتب وحدها، بل في الصوت والحركة والإيقاع.
بعد رحيله عام 2002، لم يمت المشروع. أصبح أرشيف لوماكس الرقمي يتيح الوصول المجاني إلى مجموعات صوتية وبصرية جُمعت عبر سبعة عقود، وتواصل جمعية العدالة الثقافية ومكتبة الكونغرس العمل على حفظها ورقمنتها وإتاحتها للجمهور.
وقد نال لوماكس جوائز متعددة؛ منها الميدالية الوطنية للفنون عام 1986، كما فاز كتابه The Land Where the Blues Began بجائزة الكتاب الوطنية عام 1993.
ما الذي نتعلمه من: آلان لوماكس؟
نتعلم أن المشروع التراثي لا يبدأ دائماً برأس مال كبير. قد يبدأ بسؤال: ما الأصوات التي ستختفي لو لم نسجلها؟
وقد يبدأ بجهاز بسيط،
ورحلة ميدانية،
ودفتر ملاحظات،
واحترامٍ عميق للناس.
ونتعلم أن التراث ليس مادةً جامدةً في الماضي،
بل طاقةٌ يمكن أن تتحول إلى أرشيف،
ومنصة،
وفيلم،
وكتاب،
وتعليم،
واقتصاد ثقافي.
لقد صنع لوماكس برانده الشخصي من الإنصات. لم يكن نجماً بالمعنى التجاري، لكنه جعل أصوات الآخرين نجوماً في ذاكرة الإنسانية. وهذه هي أعظم دروسه: أن من يحفظ صوت الناس، يصنع لنفسه صوتاً لا يزول.
ربما كان يسافر وحده في طرقٍ بعيدة، لكنه لم يكن يحمل جهاز تسجيل فقط.
كان يحمل قناعةً كبرى:
أن كل أغنيةٍ شعبية هي وطنٌ صغير،
وكل صوتٍ بسيط هو وثيقةٌ إنسانية،
وكل تراثٍ نُنقذه من النسيان، يمكن أن يصبح مشروعاً للحياة.
،،،
ابدأ مشروعك الآن (على خطى لوماكس)
ليس مطلوباً منك أن تسافر آلاف الكيلومترات كما فعل آلان لوماكس،
لكن يمكنك أن تبدأ من دائرتك القريبة… من صوتٍ تعرفه.
ابدأ بهذه الخطوات البسيطة:
الخطوة الأولى:
اختر مادة تراثية واحدة فقط
أهزوجة، حكاية، مثل شعبي، قصة جدّة…
لا تُشتّت نفسك، واعلم أن مشروعك يبدأ من “نقطة صغيرة واضحة”.
الخطوة الثانية:
سجّلها كما هي (بصدقها لا بتجميلها)
استخدم هاتفك فقط.
سجّل الصوت أو الفيديو دون تدخل كبير.
المهم: أن تحفظها قبل أن تختفي.
الخطوة الثالثة:
دوّن القصة خلف المادة
من قالها؟ متى؟ في أي مناسبة؟
هذه التفاصيل هي التي تحوّل التسجيل إلى “محتوى ثقافي حي”.
الخطوة الرابعة:
انشر وابدأ الأرشيف الخاص بك
أنشئ:
حساباً
أو صفحة
أو ملفاً منظماً
سمّه باسمك…
لأنك من هذه اللحظة لا تجمع فقط…
بل تبني أرشيفك الشخصي.
تذكّر أن:
لوماكس لم يبدأ بأرشيف عالمي…
بدأ بتسجيل واحد.
وأنت أيضاً…
قد يكون أول صوت تسجّله اليوم،
هو بداية مشروعك الذي سيُسمع غداً.
استجابات