كيف صنعت الجدَّات أعظم الأعمال الأدبية في العالم؟

قبل أن تصبح الحكاية رواية عالمية، كانت في الغالب قصة ترويها جدة لحفيدها، أو أم لابنتها، في لحظة عابرة ظن الجميع أنها ستُنسى.

هذا ما يدفعني دائماً إلى التساؤل:

كم رواية عالمية ضاعت لأن أحداً لم يصغِ إلى جدته؟

وكم قصة عظيمة ماتت مع أصحابها لأننا اعتبرناها مجرد سوالف لكبار السن؟

نحن نعيش في عصر تتسابق فيه البشرية لحفظ البيانات والصور والملفات الرقمية، لكننا نغفل أحياناً عن أعظم أرشيف يمكن أن تمتلكه أي أسرة: (الذاكرة الإنسانية).

في إحدى قرى كولومبيا الصغيرة، كانت جدة تُدعى ترانكويلينا تجلس في بيتها الكبير وتحكي لحفيدها قصص الأشباح والأحلام والعجائب. لم تكن تعلم أن ذلك الطفل سيصبح لاحقاً غابرييل غارسيا ماركيز، وأن تلك الحكايات ستسهم في تشكيل واحدة من أعظم روايات القرن العشرين: “مئة عام من العزلة”.

لم تبدأ الواقعية السحرية في قاعات الجامعات.

بل بدأت في مجلس الجدة.

وفي مكان آخر من العالم، كانت إيزابيل الليندي تنصت إلى نساء عائلتها، إلى القصص التي تنتقل بين الجدات والأمهات والخالات، فتتحول تلك الذاكرة النسائية لاحقاً إلى رواية “بيت الأرواح” التي قرأها الملايين حول العالم.

ولم تكن ماكسين هونغ كينغستون بعيدة عن هذا الطريق؛ فقد حملت معها حكايات أمها وجدتها المهاجرتين من الصين، ثم أعادت بناء تلك الذاكرة الشفوية في كتابها الشهير “المرأة المحاربة”، ليصبح واحداً من أهم كتب الهوية الثقافية في العصر الحديث.

وفي الصين أيضاً، كتبت يانغ تشانغ كتابها الشهير “بجعات برية”، مستندة إلى ذاكرة ثلاث نساء من عائلتها: الجدة، والأم، ثم الكاتبة نفسها. لقد تحولت القصص التي تناقلتها النساء داخل الأسرة إلى واحد من أشهر كتب السيرة العائلية في العالم، تُرجم إلى عشرات اللغات وقرأه ملايين البشر.

وفي الولايات المتحدة، انطلق أليكس هايلي من القصص التي كانت تتناقلها أسرته عن أجداده الأفارقة الذين اقتيدوا عبر تجارة العبيد. تلك الحكايات العائلية قادته إلى رحلة بحث طويلة انتهت بكتابة رواية «الجذور»، التي تحولت إلى أحد أشهر الأعمال الثقافية في العالم، وأثبتت أن ذاكرة العائلة قادرة على إعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر الناس العاديين.

ثلاث قارات.

خمس تجارب مختلفة.

خمس لغات.

لكن المنبع واحد.

الجدة

والأم،

والذاكرة العائلية التي وجدت من يصغي إليها.

إننا نميل أحياناً إلى البحث عن المعرفة في الأماكن البعيدة، بينما تجلس بعض أهم مصادر المعرفة في بيوتنا.

في غرف الجلوس.

في فناء المنزل القديم.

في ذاكرة امرأة تجاوزت السبعين أو الثمانين من عمرها.

تحفظ أسماء الناس.

وتعرف قصص البيوت.

وتتذكر سنوات الجوع والرخاء.

وتحمل في قلبها أرشيفاً كاملاً لم تكتبه مؤسسة، ولم تحفظه مكتبة، ولم تسجله جامعة.

إنها الذاكرة الإنسانية الحية.

وعندما ننظر إلى تجارب ماركيز، وإيزابيل الليندي، وماكسين هونغ كينغستون، ويانغ تشانغ، ندرك أن الأدب العالمي لم يبدأ دائماً من دور النشر الكبرى، ولا من الجامعات، ولا من مكاتب الكتّاب.

كثير منه بدأ من امرأة مسنّة تروي حكاية.

من جدة تتذكر.

من أم تحفظ التفاصيل الصغيرة.

ومن حفيد أو حفيدة امتلكا القدرة على الإصغاء.

ولهذا فإنني لا أنظر إلى توثيق قصص الجدات والأجداد باعتباره عملاً عاطفياً فحسب.

بل أراه مشروعاً معرفياً.

ومشروعاً ثقافياً.

وربما مشروعاً أدبياً أيضاً.

فالحكاية التي نسمعها اليوم مع رشفات فنجان القهوة قد تصبح غداً كتاباً.

والكتاب قد يصبح مرجعاً.

والمرجع قد يصبح جزءاً من ذاكرة الإنسانية.

لقد عشت شخصياً هذه التجربة عندما وثَّقت ما روته جدتي عايشة بنت صالح الفرحان في كتاب “أحزايه”. لم تكن تلك الحكايات بالنسبة لي مجرد ذكريات عائلية، بل كانت نافذة على عالم كامل من اللغة الشعبية، والأهازيج، والحكمة، وصور الحياة التي عاشتها الأجيال السابقة. وما كان يُروى في مجلس عائلي صغير أصبح اليوم مادة مقروءة ومسموعة يمكن أن تنتقل إلى أجيال لم تولد بعد.

لهذا السبب أؤمن أن كل عائلة تمتلك كنزاً ثقافياً خاصاً بها.

بل أؤمن أن كل عائلة تمتلك أدباً كامناً لم يُكتب بعد.

لكن السؤال الحقيقي ليس:

هل لدينا قصص تستحق التوثيق؟

بل:

هل سنوثقها قبل أن ترحل؟

دمتم أوفياء لذاكرتكم الجميلة.

د. سمير الضامر

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *