حين سأل أولادي جدتهم: من هي «حبالة»؟
قدمت ورشة مبسطة في (توثيق قصص الجدات)، وكانت الفئة المستفيدة هم أولادي وبناتي، وأولاد إخواني وأولاد أخواتي وبناتهم، وكان المشروع التطبيقي أن يقوموا بعمل مقابلة مع جدتهم (أمي نعيمة بنت عبدالله الفرحان)، وكانوا قد قاموا بتحضير الأسئلة وقسموا محاور المقابلة بينهم بالتساوي.
سألوا أمي/جدتهم فقالوا:
أنتِ كثيراً ماتتحدثين عن جدتك لطيفة الحسين رحمها الله، ولك معها قصص وذكريات، حدثينا عن جدتك العظيمة التي كانت بالنسبة لك مدرسة من مدارس الحياة.
قالت أمي/جدتهم مع تنهيدة وابتسامة صادقة:
أي نعم، جدتي هي لطيفة الحسين رحمها الله (1889-1969)، يعرفها الناس باسم (حبالة) وقد كنت منذ صغري وأنا أعيش في كنفها وأحظى بحنانها، وقد كانت اضافة إلى مهامها في الحياة في التربية والعلاقات الاجتماعية فقد كانت تجيد القراءة والكتابة، وهذه ميزة وكانت الجدات قليلاً منهن من كانت تقرأ أو تكتب. وكان لها كرسي خاص تضع عليه مصحفها القديم، وكثيراً ماكانت تستأنس بتلاوة الشيخ عبدالله خياط عندما يتلوا في المذياع، فكانت تتابع معه التلاوة وتصحح تلاوتها.
كانت تقرأ وردها اليومي وكنت أنا بجانبها أستمع وأحاول أن أقرأ مثل ما تقرأ، وبالمناسبة هي التي أقنعت والدي بإدخالي إلى المدرسة في وقت كان لدى بعض الآباء تشدد وعزوف عن إدخال بناتهن للمدارس، أصرت على أن أدخل المدرسة، وتبنت مشترياتي الخاصة كالشنطة والمريول، وكنت أخرج من المدرسة بعد الظهر وأذهب لها مباشرة في الظهيرة الحارة، لا أذهب إلى بيت أبي، كنت أجد لدى جدتي جاذبية مختلفة تمنعني من الذهاب إلى بيتنا، ولم أكن أعبأ بمخاطر الوقت ولا بالغرباء، كانت روحي متوجهة إلى جدتي، كانت تحفظ لي لقمة الغداء، وكانت تطالع معي تلاوة قصار السور التي آخذها في المدرسة، وتلقنني التلاوة الصحيحة، وتعلمني مبادئ الحساب، أنام عندها كثيرا أكثر من أولادها.
أولادها رجال كبار، يعملون في فلاحة النخيل، ويمارسون مهنة الصرام والسقاية والعناية بالمزارع، وبعضهم التحق بالغوص ثم في شركة أرامكو، أما هي فكان لديها مهنة العناية وتطبيب النساء، وكنت أساعدها عندما تأتي إليها النسوة من كل مكان في فريجنا في العيوني وخارجه، أرتب لها الأدوات، والمناشف، وأدوات الحجامة.. كان بيتها يمتلئ بالنسوة من فريجنا وغير فريجنا، ولم تكن تفرق بين شيعية أو سنية، كانت رحيمة بالجميع، ولم تكن تطلب منهن أجرا إلا ما تجود به أيديهن. كان لها دفتر صغير مقسما إلى أقسام، كل قسم تضع فيه أصناف المال، فقسم للريالات، وقسم للعشرات، وقسم لفئة العشرين ريالا.. كانت منظمة غاية التنظيم.. توفي عنها زوجها مبكراً فقامت بمسؤولية تربية أولادها وتوجيههم، وكانوا رجالا أشداء أقوياء في طلب الرزق والكدح في الحياة.
عشت معها حياة البساطة مابين الحوي، والسطوح، والخروج للسكيك والحارات لنزور أهلنا أو نأتي بأغراض السوق.. فعلا كانت جدتي مدرسة من مدارس الحياة التي لن تتكرر.
الملخص:
بمقدار ماكانت قصة أمي مع جدتها تحمل سردية رائعة، إلا أن أولادي وأولاد إخواني وأخواتي اندمجوا مع سردجدتهم، وكانوا قد فتحوا تسجيلاتهم من خلال الآيباد والهواتف المحمولة. لم تكن ورشة تخصصية، لكنها كانت البداية الأولى ليبحثوا ويوثقوا قصص أجدادهم وجداتهم، وستكون هذه الورشة لهم علامة فارقة عندما يكبروا، ويتذكرون أنهم قاموا بعمل عظيم. وليس هذا فقط، بل حتى أمي/جدتهم شعرت بسعادة كبيرة وهي تنقل لأحفادها وحفيداتها قصص الماضي للحاضر.
د. سمير الضامر
استجابات